مجموعة مؤلفين
90
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وأما حين يقول - في القصيدة نفسها وعن المحبوبة نفسها - : توراتها لوح ساقيها سنا وأنا * أتلو وأدرسها كأنني موسى وحين يقول في شرح ذلك أن « الساق » هنا تذكرنا ببلقيس حين كشفت عن ساقيها ، أي بينت أمرها ، وتذكرنا كذلك بقوله « يوم يكشف عن ساق » قاصدا بذلك « الأمر الذي يقوم عليه بيان الآخرة » وبقوله « التفت الساق بالساق » أي التف أمر الدنيا بأمر الآخرة ؛ هذا عن كلمة « الساق » ؛ وأما كلمة « التوراة » فالتوراة من ورى الزند ، فهو راجع إلى النور ؛ وينسب إلى التوراة أن لها أربعة أوجه ، فإذا كان التشبيه قائما بين « ساقيها » و « التوراة » فلا بد أن تكون الإشارة هنا إلى أربعة أوجه من النور ، وإلى الأربعة الذين يحملون العرش ، وهي الكتب الأربعة . . . أضف إلى ذلك أنه لما كنى عن ساقيها بالتوراة ، احتاج إلى ما يناسب ما وقع به التشبيه من « التلاوة » و « الدرس » وذكر من أنزلت عليه التوراة ، وهو موسى . . . أقول إن ابن عربى حين يلجأ إلى مثل هذا الشرح البعيد المتشعب للبيت المذكور ، ندرك أنه إنما يكد ذهنه كدا ليجد المعنى الصوفي الباطن ، الذي يوازى به المعنى الظاهر ، وهو التغزل في ساقين بيضاوين مضيئتين ، ينظر إليهما فكأنما هو ينظر إلى آية من آيات الجمال البشرى ، تتلى وتدرس في نشوة وعلى مهل . ( ج ) رموز جغرافية ، يستخدم فيها أسماء لأماكن معروفة ، ليفيد إما من مجرد جرس اللفظة ، وإما من الصفات التي عرفت بها تلك الأماكن ؛ والأغلب في هذه الحالة أن يجئ التأويل على اعتساف وافتعال ؛ فهو - مثلا - حين يذكر مكانا عرف بجماله الطبيعي ، ليشير به إلى الجمال الذي يجذب الناظر إليه ، جاء الرمز في هذه الحالة مستقيما ومباشرا ، كقوله : « بذى سلم . . . ظباء تريك الشمس في صورة الدمى » ( ص 45 ) ؛ أما إذا جاء باسم مكان ليفيد من جرسه ونبرته أو من المعنى الظاهر لذلك الاسم ، غلب عليه عندئذ التكلف في التفسير ، كقوله في « لمعت لنا